أعلان 300×250

لماذا نجهر في صلاة الفجر والمغرب والعشاء ولا نجهر في الظهر والعصر؟… فيديو

عدن الخبر

منوعات

صحيفة ((عدن الخبر)) القاضي أنيس صالح جمعان :

تُعد الصلاة مِعراج المؤمن إلى ربه، وقد رسم لنا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معالمها بدقةٍ متناهية، فلم يترك هيئةً ولا سُنّةً إلا وبينها قولاً وعملاً. ومن أسرار هذه العبادة العظيمة ذلك التباين البديع بين قراءةٍ يصدح بها الإمام في سكون الليل وغبش الفجر، وقراءةٍ يُسرُّ بها في وضح النهار؛ في تناغمٍ عجيب يراعي أحوال النفس البشرية، ويجسد تمام الاستسلام لله رب العالمين، وهي مسألة تلامس قلوب المصلين، وتثير فضول المتدبرين؛ لماذا جُهر في بعض الصلوات وأُسِر في أخرى؟ هل لحكمة ندركها أم أَنَّ الأمر تعبدي محض؟

وفي هذا المقال، نبحر سوياً لنستجلي الحِكم الشرعية واللطائف الإيمانية التي تكمن خلف الجهر والإسرار في صلواتنا المفروضة، مع التأكيد على أَنَّ الأصل في ذلك كله هو الانقياد لأمر اللَّه واتباع سنة رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهي الغاية العظمى للمؤمن.

فإنَّ الجهر والإسرار في الصلوات المفروضة من الأحكام الشرعية الثابتة بالسنة النبوية، وقد دلَّ على ذلك فعل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقوله، وتلقته الأمة بالقبول والاتباع، عملاً بقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي).[رواه البخاري، رقم 631].

أولاً: أسباب الجهر في الفجر والمغرب والعشاء :
➖➖➖➖
(١) الهدوء والسكينة :
الليل والفجر وقت نوم الناس وانشغالهم، مما يقلل المشتتات ويجعل الجهر وسيلة للتذكير والتبليغ.

(٢) تيسير الاستماع :
في أوقات الليل والفجر، يكون الناس أقرب للاستماع والانتفاع بالقرآن الكريم أكثر من النهار.

(٣) أداء حق العبادة :
الجهر فيها يظهر تعظيم اللَّه وإظهار العبادة في وقت يكون فيه الداعي لتركها أقوى، مما يزيد من فضلها.

(٤) الاجتماع والوحدة :
الجهر في الجمعة والعيدين يجمع الناس ويُسمعهم في مكان واحد، وللفجر والمغرب والعشاء حكم مشابه في اجتماع المصلين.

ثانياً: أسباب الإسرار في الظهر والعصر.:
➖➖➖➖
(١) النهار محل العمل :
وقت الظهر والعصر هو وقت العمل والشغل وحاجات الدنيا، والإسرار يجمع القلب للخشوع والتدبر بدلاً من الانشغال بالجهر والتشتت.

(٢) موافقة الهدي النبوي :
النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يسر في الظهر والعصر، ويسرّ في النوافل النهارية، فالمؤمن يتبع هديه.

(٣) الخشوع والتدبر :
الإسرار في النهار يساعد المصلي على التفكر والتدبر في قراءته دون إزعاج للآخرين الذين قد يكونون مشغولين أو نائمين.

ثالثاً: حكم الجهر والإسرار في الصلوات :
➖➖➖➖
استقر العمل في الشريعة الإسلامية على مواضع يُشرع فيها الجهر، ومواضع يُشرع فيها الإسرار، وذلك على النحو الآتي:

(١) الجهر بالقراءة :
يُشرع في صلاة الفجر، والركعتين الأوليين من صلاتي المغرب والعشاء، بالإضافة إلى صلوات الجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف.

(٢) الإسرار بالقراءة :
يُشرع في صلاتي الظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والركعتين الأخيرتين من العشاء.

رابعاً: الحكمة من التفريق بين الجهر والإسرار :
➖➖➖➖
لم يَرِدْ في النصوص الشرعية نصٌّ صريح يبيِّن الحكمة التعليلية المحددة لهذا التفريق، وإنما هو من الأمور التعبدية التي شرعها اللَّه لحكمة يعلمها، وقد يطلعنا عليها وقد لا يطلعنا، وواجبنا التسليم والامتثال.

ومع ذلك، ذكر بعض العلماء حِكَماً محتملةً استنبطوها من النصوص، من باب الاستئناس لا الجزم، منها:

(١) مراعاة أحوال المصلين :
صلاتا الظهر والعصر تقعان في أوقات العمل والنشاط، فكان الإسرار فيهما أخف على الناس وأبعد عن التشويش، أما الفجر والمغرب والعشاء فتقع في أوقات الراحة والهدوء النسبي (السكون)، فكان الجهر فيها أدعى للتدبر.

(٢) التمييز بين الصلوات :
ليحصل في الجهر والإسرار تمييز للصلوات بعضها عن بعض، مما يعين المصلي على ضبط عدد ركعاته، فيعرف المصلي أي صلاة يصلي، ويسهل عليه ضبط عدد الركعات، خاصة في الليل والغلس.

(٣) اتباع السنة والتقرب إلى اللَّه :
وهو الأصل الأعظم، وهو كمال العبودية بأن يُطاع اللَّه تعالى ورسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمره ونهيه، سواء ظهرت الحكمة للعقل أم لم تظهر.

خامساً: الدليل من السنة النبوية :
➖➖➖➖
· عن جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا)، وَكَانَ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ… [رواه أبو داود، رقم 604، والنسائي، رقم 922، وصححه الألباني]. وكان يُعرف إسراره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الظهر والعصر باضطراب لحيته [رواه البخاري، رقم 746].

· عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: (في كل صلاة يُقرأ، فما أسمعنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم) [رواه البخاري، رقم 772، ومسلم، رقم 396]. وعنه أيضاً: (أَنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ فِي هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ – يَعْنِي الأُولَيَيْنِ مِنْ صَلاةِ الْعِشَاءِ – وَيُسِرُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ) [متفق عليه].

الخلاصة :
➖➖➖
خلاصة القول، أَنَّ الجهر والإسرار في الصلوات المفروضة سنة نبوية ثابتة، دلَّ عليها فعل النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقوله، وأجمع المسلمون على العمل بها، وهي من المسائل التعبدية التي يُقصد بها الامتثال قبل التعليل، والاتباع قبل التعليل العقلي. وما ذكره أهل العلم من حِكَمٍ في التفريق بين الصلوات إنما هو من باب الاستئناس وبيان محاسن الشريعة، لا من باب الجزم والقطع، إذ تبقى الحكمة العظمى في طاعة اللَّه تعالى واتباع رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، تحقيقاً لمعنى العبودية والخشوع، وحفظاً لوحدة المنهج في أداء أعظم شعائر الإسلام، واللَّهُ سبحانه أعلم وأحكم في تقدير عبادته.

نسأل اللَّه تعالى أَنْ يرزقنا حسن الاتباع، وكمال الخشوع في الصلاة، وأَنْ يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المصادر
➖➖➖
(١) صحيح البخاري: للإمام البخاري 631، 746، 772.
(٢) ​صحيح مسلم: للإمام مسلم 396.
(٣) ​سنن أبي داود: للإمام أبو داود 604.
(٤) ​سنن النسائي: للإمام النسائي 922.
(٥) كتب الفقه وأصوله المعتمدة: شرح أحكام الجهر والإسرار وبيان الحكمة المحتملة في المذاهب الأربعة.(الكاساني، ابن عبد البر، النووي، ابن قدامة).
(٦) الألباني (صفة صلاة النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تخريج وتصحيح الأحاديث المتعلقة بالجهر والإسرار).

القاضي أنيس صالح جمعان
١٧ يناير ٢٠٢٦م
===========

قد يعجبك ايضا