الاتهام الجماعي بالخيانة ليس موقفًا سياسيًا بل هروب من الحقيقة
عدن الخبر
مقالات
صحيفة ((عدن الخبر)) بقلم: مدين محسن محمد – كاتب وأديب يمني :
في ظل تصاعد الجدل السياسي على منصات التواصل الاجتماعي، يبرز سلوك خطير يتمثل في الاتهام الجماعي بالخيانة والعمالة لكل من يختلف في الرأي، وكأن الخلاف السياسي جريمة تستوجب الإدانة المسبقة. والحقيقة أن هذا النهج لا يعكس موقفًا سياسيًا ناضجًا، بقدر ما يُعد هروبًا صريحًا من مواجهة الحقائق.
أزمة وعي سياسي
الكثير من النشطاء والمفسبكين يكيلون الاتهامات جزافًا وظلمًا ضد من يخالفهم في الرأي أو التوجه السياسي، دون أدنى استعداد لتقبّل النقد أو الرأي الآخر. هذه السلوكيات تعكس أزمة فكرية عميقة بُنيت على الجهل والتخلّف والعصبية والعدائية، وربما تصل إلى اضطرابات نفسية واضحة، وهو أمر لا يدع مجالًا للشك.
السياسة بين القذارة والمصلحة
السياسة في جوهرها قذارة تشبه “الوحل”، فهي لا تعرف صديقًا دائمًا ولا عدوًا دائمًا، بل تحكمها المصالح وحدها. إلا أن المشكلة تكمن في أن بعض المفسبكين حوّلوا مشاريعهم السياسية إلى أصنام مقدسة، وكل من يخالفهم يُصنّف فورًا خائنًا أو عميلًا، ما أدى إلى تمزيق النسيج الاجتماعي بين الشعوب، نتيجة ثقافة متوارثة من الجهل والغباء السياسي.
التطرف في الانتماء
إن التشدد في الانتماء يُعد جريمة تطرف وتنمّر سياسي. المؤسف أن هذا السلوك لا يقتصر على العامة فحسب، بل نجد حتى بعض الأكاديميين وحملة الشهادات العليا أسرى لانتماءات ضيقة ومتشددة، لا يقبلون الاختلاف، ويتحولون إلى أدوات ترصّد وإقصاء. وهنا تبرز المفارقة المؤلمة بين الشهادات العالية والعقليات الطفولية المشحونة بالحقد ورفض الآخر.
من الخصومة السياسية إلى العداء الاجتماعي
غالبًا ما تتحول الخصومة السياسية إلى خصومة اجتماعية ومهنية، وقد تتطور إلى تصفيات جسدية، فضلًا عن حملات التشويه والاتهامات الجماعية بالخيانة والعمالة. وعند النقاش وتبادل الآراء، تنكشف الحقائق من خلال التصرفات، ويظهر أسوأ ما في هذه العقليات، في محاولة يائسة للهروب من الحقيقة.
إفلاس سياسي
سبق وأن اطّلعت على مقال لفضيلة القاضي العلامة عبدالوهاب قطران، قال فيه عبارة لافتة:
«الاتهام الجماعي بالخيانة ليس موقفًا سياسيًا بل هروب من الحقيقة».
ومن هنا جاء عنوان هذا المقال، باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الصراع السياسي في اليمن. فالعاجزون عن المواجهة السياسية بشرف وأدب وقيم أخلاقية، لا يجدون أمامهم سوى السبّ والقذف والتشهير، وهو ما يشكّل الإفلاس السياسي بعينه، حين يكون المشروع منفصلًا عن الوطن والوطنية.
إعلام الفتنة
لقد ساهمت الصراعات السياسية والعسكرية في اليمن، والتي غذّتها معظم وسائل الإعلام الإلكترونية، في الوصول إلى ما نحن عليه اليوم. وتتنوع تلك الوسائل بين مؤيد ومعارض ومحرض وداعي فتنة وناصح ومرتزق ومأجور، وكلٌّ يخدم مصالحه الخاصة. ويشنّ كثير من رواد هذه المنصات حملات غير أخلاقية تمس كرامة الآخرين، عبر السبّ والشتم والقذف، وهي ممارسات لا تمت للسياسة بصلة، بل تُعد جرائم أخلاقية صريحة.
كلمة أخيرة
أوجّه حديثي إلى رواد وسائل الإعلام والمواقع الإلكترونية، بأسمائهم الحقيقية أو المستعارة: إن ما تمارسونه من تشويه وتحريض يسهم بشكل مباشر في استمرار الحروب وسفك الدماء، وشحن النفوس بالكراهية والمناطقية، والتحريض على الاقتتال بين الشعوب. فهذه الأساليب القذرة لا تصدر إلا عن أشخاص مأجورين يقتاتون على الفتنة والصراع الداخلي، وهم في الحقيقة أدوات رخيصة لا يحملون قضية وطن ولا همّ مواطن.
