أعلان 300×250

خيانةٌ علنيّة: حكّامُ العربِ يُقَبِّلونَ خطةَ ترامب – ينقذون نتنياهو ويطعنون المقاومةَ في الظهر

عدن الخبر

مقالات

صحيفة ((عدن الخبر)) كتب محرر الصحيفة – شكري سلطان :

في مشهدٍ مفزعٍ ومخزٍ في آنٍ واحد، تحوّل ترحيبُ عددٍ من العواصمِ العربيةِ والإسلاميةِ بخطةِ الرئيسِ الأميركي دونالد ترامب إلى ما يعادل قبلةَ حياةٍ سياسيةٍ لحكومةِ بنيامين نتنياهو، ويُقوّضُ في نفس الوقتٍ إنجازاتٍ دبلوماسيةٍ وميدانيةٍ حقّقتها المقاومةُ الفلسطينية على مدى سنوات النضال.

لم يكن الحديثُ عن اختلافٍ في القراءات الاستراتيجية فحسب؛ بل كان خيانةً أخلاقيةً وموقفاً يحاسبُه التاريخ. ثماني دولٍ ومسؤولين كبارٍ من العالم العربي والإسلامي أبدوا ترحيباً رسمياً بالخطة، وراحوا يمدّون بها مظلّاتٍ شرعيةً إقليميةً أمام ضغوطٍ دولية قد تُستغلّ لترميم صورة الاحتلال وتخفيف عزلة نتنياهو على الصعيد العالمي.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوّةٍ أمام الشارعِ العربيِّ والمسلم: هل تحوّل هؤلاء الحكّام إلى أداةٍ دبلوماسيةٍ تمنحُ غطاءً لصفقاتٍ لا تُحترمُ فيها حقوقُ الشعب الفلسطيني ولا يُمنَحُ أهلهُ حقّ تقريرِ مصيرهم؟ الواقعُ العمليُّ يجيب بأن الترحيبَ بالـ«خطة» جاء قبل أيّ ضماناتٍ حقيقيةٍ لحقوقٍ أساسيةٍ كحقِّ العودةِ والعيشِ والكرامة، وهو ما جعل من المبادرةِ بديلاً خطيراً عن النصرِ الذي سجّلته المقاومةُ على الأرضِ وعلى مستوىِ الاعتراف الدولي.

لا نُبالغُ إن قلنا إنّ ما حدث أشبهُ بلاعقٍ طبيّةٍ وُضعت على جثةِ انتصارٍ كان يُحتفلُ به؛ فالمقاومةُ التي أربكتْ مخططاتِ الاحتلال وجعلت أنفهُ يَمْرُغُ في ترابِ غزة الطاهر، رأت أن رصيدَها الدبلوماسيَّ المعزَّزَ بتعاطفٍ عالميٍّ بدأ يتآكل حينما قدّم بعضُ القادةِ الوطنيين سهماً من شرعيّتهم لصفقةٍ لم تُبْنَ بمشاركةٍ فلسطينيةٍ حقيقية.

وبعيداً عن لغةِ المواقفِ الرسميةِ الباردة، فالمشاعرُ الشعبيةُ في الشارع تُعبّرُ عن شعورٍ عارمٍ بالخيانة. من ينسف آمالَ الشهداءِ والنازحينِ والمهجّرين؟ من يسلبُ العزيمةَ من أبطالٍ قدموا أثماناً باهظة؟ هذه أسئلةٌ يصرخ بها المواطن العاديُّ حين يرى أن مشاريعَ المصالح تُقدم فوق رؤوسِ الملايينِ دون استفتاءٍ حقيقيٍّ أو تعاطٍ نزيهٍ مع واقعِ المعاناة.

وإذا كان بعضُ الجهات يبرّرُ مواقفَه بـ«أولويةِ حفظِ الأرواحِ وإنهاءِ الحرب»، فالتاريخُ والضميرُ يطالبانِ بضماناتٍ واضحةٍ ومُلزِمةٍ تَصونُ كرامةَ الفلسطينيين، لا أن تُستبدَلَ الحقوقُ بإجراءاتٍ مؤقتةٍ أو ترتيباتٍ تُبقي على واقعٍ من الاحتلالِ والوصاية. واشنطنُ وتل أبيب لا يقدّمانَ تنازلاتٍ مجانية؛ لذلك يجب أن تكونَ المصالحُ الوطنيةُ للفلسطينيينِ فوقَ أيِّ مصلحةٍ آنيةٍ للنخبِ الحاكمة.

المطلوب الآن ليس النداءَ البلاغيّ فحسب، بل خطواتٌ عمليةٌ وحاسمة:

أولاً: أن تعودَ أصواتُ الشعوبِ إلى مراكزِ القرار، وأن تُساءلَ الأنظمةُ عن أيِّ ترخيصٍ تمنحُهُ لصفقاتٍ تمسُّ جوهرَ القضية الفلسطينية.

ثانياً: أن تُشترطَ أيُّ مبادرةٍ دوليةٍ على ضماناتٍ مكتوبةٍ ومُلزِمةٍ لكاملِ الحقوقِ الفلسطينية، وليس التوزيعَ الجزئيَّ للغنائم السياسية.

ثالثاً: أن يحافظَ المجتمعُ المدنيُّ وفضاءُ النضالِ الإعلاميُّ والدبلوماسيُّ على يقظتِه، وأن يقوّي أدواتِ الضغطِ الشعبيِّ والقانونيِّ والدبلوماسيِّ لمواجهةِ أيِّ محاولاتٍ لشرعنةِ احتلالٍ أو تقويضِ انتصارٍ معنويٍّ وميدانيٍّ للمقاومة.

لن يقبلَ التاريخُ ولا الضميرُ بأن تُستَبدَلَ تضحياتُ الشهداءِ بأوراقِ مَنحٍ سياسيةٍ مؤقتة. إنّ من باركَ خطةً تُعرضُ دونَ ضماناتٍ عادلةٍ، وأسقطَ صوتَ الشعبِ لصالحِ حساباتٍ قصيرةِ الأجلِ، عليه أن ينتظرَ مساءَ الحسابِ الطويل.

خاتمة: إنّ السكوتَ والقبولَ بهذهِ السياساتِ يُعدّانَ خيانةً لا تقلُّ وقعاً عن رصاصةٍ في صدرِ قضيةٍ عادلة. والشعبُ لن ينسى من باعوا لهُ أملاً، ولا التاريخُ سيغفرُ من اورطَ أمتهُ في صفقةٍ تهدّدُ مستقبلَ الأجيال.

واخيرٱ اقول :
أن الذين لايتذكروا الماضي …مكتوب عليهم تكراره

قد يعجبك ايضا