*ضوابط اِصْطِحابٌ الأطفال إلى المساجد*

374

 

 

 

صحـيفة ((عـدن الخــبر))  خــاص
إعداد القاضي أنيس جمعان

 

 

 

▪️إن المسجد له مكانة عظيمة في الإسلام يفتح أبوابه لجميع المصلين كباراً وصغاراً، ولكن في حال اِصْطِحابٌ الأطفال غير المميزين إلى بيت اللَّه تعالى، صلاتي التراويح والتهجد وبقية الصلوات تجد الصرخات وجري الأطفال في أنحاء المسجد ليلعبوا، فهذا يرفضه الإسلام ويندد به، حيث أنه بيت اللَّه كما قال تَعالى: (فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ . رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ).[ النور الآية: 36- 23]، ويظهر أن أغلب المصلين ممن يترك أطفالهم بهذه الصورة لا يقصد الأذية بقدر عدم معرفته بالأحكام المتعلقة بالتعامل مع الأطفال في المسجد، فالمسجد موضع خشوع وخضوع لله تعالى، وهذه ظاهرة سلبية يلاحظها البعض وخاصة في زمننا هذا في مصلّيات النساء خلال شهر رمضان الفضيل، وخاصة من قبل الأمهات عند أداء صلاة التراويح، وهن يصطحبن أطفالهن، لكن الملاحظ في أكثر المساجد إن النساء إذا حضرن ومعهن الأطفال الصغار يزعجون المصلين ويعبثون بما في المسجد من كتب ومصاحف وغيرهما، وربما يقفزون على المصلين من الرجال والنساء ويمشون بين الصفوف ويمرحون وأحياناً يصيحون و يصرخون ويصيحون ويبكون، ويزداد هرجهم ومرجهم، وجريهم في جوانب المصلىَّ، وساحة المسجد من الخارج، وكأنه مرتع ومتنزه، أو صالة ألعاب، رغم أن صلاة التراويح تعتبر من السنن المقدسة في شهر رمضان الفضيل، التي بها يرتقي الفرد، ويختم بها الصائمون يومياً الصلوات المباركة على مدار الشهر الكريم، والتي يجب أن تؤدّى بخشوع، واندماج كامل، وتجرد تام من التفكير في مشاغل الحياة، والغريب أن الأمهات اللاتي يأخذن أطفالهن معهن للمساجد، لا يلقين بالاً لهم، وهم يزعجون الأخريات من السيدات اللاتي يؤدين الصلاة، بل يعتبرن أن المسجد فرصة لهن للتخلص من إزعاج صغارهن لهن في البيت، وبذلك يتركن الحبل على الغارب لهم للعب، والضحك، والصراخ، والتشاجر، والصلاة قائمة، والقرآن يتردد في جنبات المكان، غير مدركات أن ذلك ينتقص من قدر الإخلاص في العبادة، ويسيء إلى حرمة المسجد، والرهبة الواجبة فيه.

▪️أن عدم اِصْطِحابٌ الأطفال إلى المساجد أو اِصْطِحابٌهم بغير ضوابط، كلاهما سلوك لا يتفق مع النصوص الشرعية ولا مع ما ثبت من سيرة رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في تعامله مع الأطفال في المساجد، و لم يأت في الشريعة الإسلامية ما يدل على تجنيب الأطفال المساجد، بل دلت النصوص الشرعية على العكس من ذلك، فقد كان أطفال المسلمين يدخلون مسجد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنهم الحسن والحسين، والثابت عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أكثر من وجه إذنه لدخول الاطفال إلى المساجد، فقد كان يسمع بكاء الصبي في المسجد فيخفف الصلاة رحمة بأمه، كما في حديث أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عن الترمذي وغيره، وروى أحمد والترمذي وغيرهما من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: (رأيت النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يخطب فجاءه الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فحملهما بين يديه، ثم قال: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما ثم أخذ في خطبته).

▪️وروى البخاري من حديث أبي قتادة أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رَسُولُ اللَّهِ فكان إذا سجد وضعها، وإذا قام حملها، وكذلك كان صغار الصحابة كأنس بن مالك وعبدالله بن الزبير وباقي أولاد الصحابة يدخلون المسجد ويقرهم النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على دخولهم، بل هو القائل صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين).[رواه أبو داوود من حديث ابن عمر]، وفي المقابل لم نجد هذا الكم من النصوص التي ترخص في اِصْطِحابٌ الأطفال إلى المساجد، بل ما ورد من الزجر من إدخالهم إلى المساجد إنما هو ضعيف جداً مثل حديث (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم)، لأن حرمة المسجد وقدسيته كامنة في نفوس المسلمين، وقد روى ابن ماجه في سننه عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وشراءكم، وبيعكم، وخصوماتكم، ورفع أصواتكم، وإقامة حدودكم، وسلَّ سيوفكم..” إلخ . قال البوصيري في الزوائد: “إسناده ضعيف، فإن الحارث بن نبهان متفق على ضعفه” اهـ . لكن له شواهد، فقد رواه الطبراني في الكبير عن أبي الدرداء وأبي أمامة وواثلة قالوا: سمعنا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: “جنبوا مساجدكم صبيانكم، ومجانينكم، وخصوماتكم، وأصواتكم، وسلّ سيوفكم، وإقامة حدودكم..” إلخ. لكن في إسناده العلاء بن كثير الليثي الشامي وهو ضعيف 2.3

▪️يقول الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين رحمه الله:
“منع الصبيان ونحوهم من المساجد عند خوف العبث واللعب فيه”:
(وذلك أن من طبيعة الأطفال كثرة اللعب والحركة، والتقلب والاضطراب، مما يشوش على المصلّين والقراء، وأهل الذكر والعلم، ولا يستطع وليه التحكم في تسكينه غالباً، فهو في الصلاة يكثر الالتفات والتقدم والتأخر، ومد اليدين، وحركة القدمين، وذلك مما يشغل من يصلي إلى جانبه، ويلهيه عن الإقبال على صلاته، مما يذهب الخشوع، وينقص الأجر، ثم إن الأطفال الذين دون سن التمييز لا يؤمن تلويثهم للمسجد، فقد يحصل منهم التبول ونحوه، والروائح المستكرهة، واللعاب والبصاق ونحو ذلك، لعدم فهمهم بحرمة المكان، وصعوبة تأديبهم، والتحكم فيهم، فلذلك يتأكد على أوليائهم منعهم من دخول المساجد إلا بعد التأكد من فهمهم، وتعلمهم أحترام المسجد، وتربيتهم على النظافة والأدب، وحفظهم عن كثرة الحركة، وما يسبب ضرراً أو تشويشاً للمنظر الظاهر في بيوت الله التي أذن أن ترفع).كتاب فصول ومسائل تتعلق بالمساجد [ابن جبرين].

ضوابط اِصْطِحابٌ الأطفال إلى المساجد :
➖➖➖➖➖➖
▪️أن اِصْطِحابٌ الأطفال إلى المساجد وخاصة في زمننا هذا بغير ضوابط وخاصة الأطفال دون التمييز، ويظهر كما سبق ذكره أن أغلب المصلين ممن يترك أطفالهم بهذه الصورة لا يقصدون الأذية بقدر عدم معرفتهم بالأحكام المتعلقة بالتعامل مع الأطفال في المسجد، فالمسجد موضع خشوع وخضوع لله تعالى يتوجب عليهم معرفة هذه الضوابط لاِصْطِحابٌه المسجد وهي :

(١) أن يبلغ الأطفال مبلغ الأدب والتمييز، فنأمن على أنه لن يلوث المسجد أو يعبث بمحتوياته وأن يكف أذاه، فإذا خيف حدثه فإنه يجوز منعه، وقد يؤجر من يأتي بالمميز إلى المسجد لتدريبه وتعليمه وتعويده على صلاة الجماعة منذ الصغر، ولابد أن نوضح لأطفالنا إن مكانة المسجد عظيمة، وألا نمنع الاطفال المميزين من أرتياد المساجد لكي ينشأ الطفل على الأرتباط بالمسجد.

(٢) إذا كانت الأم لا تستطيع الذهاب الى المسجد إلا بأولادهن الصلاة وخصوصاً في صلاة التراويح في رمضان، أن يبقين في بيوتهن ويصلين فيها فإن صلاتهن في بيوتهن خير لهن وافضل، أما إلا بإحضار أطفالها الذين يحصل منهم تشويش وأزعاج على المصلين وعلى الإمام وعلى الناس في عبادتهم فإنه قد يكون عليها أثم وليست مأجورة.

(٣) يجب على الوالدين أن يجعلوا أطفالهم إلى جوارهم في الصلاة، وألا يتركونهم يعبثون داخل المسجد أو يتجولون بين الصفوف، والجلوس إلى جوار الأب أو الأم وهو أمر مشروع لا يقطع الصف على الصحيح الراجح من قول أهل العلم.

(٤) إذا كان الطفل صغيراً في السن وكان في اِصْطِحابٌه ضرورة أو حاجة، فعلى والده أو أمه أن يحمله على يديه أثناء القيام ويضعه أثناء الركوع والسجود، وهذه الحركة لا تبطل الصلاة، قال ابن رجب رحمه الله: (فمجموع هذه الروايات يدل على أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أستفتح الصلاة بالناس إماما لهم في صلاة الفريضة، وهو حامل أمامة، وأنه كان إذا ركع وسجد وضعها بالأرض).

▪️ختاماً .. لم يرد دليل صحيح على منع الأطفال من دخول المساجد واِصْطِحابٌهم، بل دلت الأحاديث على جواز دخولهم، وأن الطفل المؤذي والمشوش على المصلين يجب تعليمه وتربيته على آداب المساجد وصيانتها عن الأذى والإيذاء، فإن لم يفهم ولم يعقل وجب منعه، وأن الأطفال المميزين يؤتى بهم إلى المساجد لتعلم الصلاة والقرآن، وأن على أولياء أمورهم ضبطهم لما فيه مصلحة المسجد والمصلين، و إن الأولوية في الشريعة الإسلامية هي أن مصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد، فإذا كان الطفل أكبر من سبع سنوات ومدركاً حرمة المسجد فلا مانع، أما اذا كان دون السابعة أو كان طفلاً مزعجاً فلا يتم اِصْطِحابٌه ما دام لا يتم السيطرة عليه حتى نمنع إيذاء المصلين وتشتتهم في الصلاة.

▪️لا تنسونا من صالح دعائكم 🤲

▪️ القاضي أنيس صالح جمعان

قد يعجبك ايضا